ابن كثير
420
البداية والنهاية
فعند ذلك أمر السلطان الناس بالتأخر عن هذه المنزلة ، وثبت هو مكانه لينظر ماذا يصنعون وما عليه يعولون ، والفرنج في البلد مشغولون مدهوشون ، ثم سار السلطان إلى العسكر وعنده من الهم ما لا يعلمه إلا الله ، وجاءت الملوك الاسلامية ، والامراء وكبراء الدولة يعزونه فيما وقع ، ويسلونه على ذلك ، ثم راسل ملوك الفرنج في خلاص من بأيديهم من الأسارى فطلبوا منه عدتهم من أسراهم ومائة ألف دينار ، وصليب الصلبوت إن كان باقيا ، فأرسل فأحضر المال والصليب ، ولم يتهيأ له من الأسارى إلا ستمائة أسير ، فطلب الفرنج منه أن يريهم الصليب من بعيد ، فلما رفع سجدوا له وألقوا أنفسهم إلى الأرض ، وبعثوا يطلبون منه ما أحضره من المال والأسارى ، فامتنع إلا أن يرسلوا إليه الأسارى أو يبعثوا له برهائن على ذلك ، فقالوا : لا ولكن أرسل لنا ذلك وارض بأمانتنا ، فعرف أنهم يريدون الغدر والمكر ، فلم يرسل إليهم شيئا من ذلك ، وأمر برد الأسارى إلى أهليهم بدمشق ، ورد الصليب إلى دمشق مهانا ، وأبرزت الفرنج خيامهم إلى ظاهر البلد وأحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين فأوقفوهم بعد العصر وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد ، رحمهم الله وأكرم مثواهم ، ولم يستبقوا بأيديهم من المسلمين إلا أميرا أو صبيا ، أو من يرونه في عملهم قويا أو امرأة . وجرى الذي كان ، وقضي الامر الذي فيه تستفتيان . وكان مدة إقامة صلاح الدين على عكا صابرا مصابرا مرابطا سبعة وثلاثين شهرا ، وجملة من قتل من الفرنج خمسين ألفا . فصل فيما حدث بعد أخذ الفرنج عكا ساروا برمتهم قاصدين عسقلان ، والسلطان بجيشه يسايرهم ويعارضهم منزلة منزلة والمسلمون يتخطفونهم ويسلبونهم في كل مكان ، وكل أسير أتي به إلى السلطان يأمر بقتله في مكانه ، وجرت خطوب بين الجيشين ، ووقعات متعددات ، ثم طلب ملك الانكليز ، يجتمع بالملك العادل أخي السلطان يطلب منه الصلح والأمان ، على أن يعاد لأهلها بلاد السواحل ، فقال له العادل : إن دون ذلك قتل كل فارس منكم وراجل ، فغضب اللعين ونهض من عنده غضبان ، ثم اجتمعت الفرنج على حرب السلطان عند غابة أرسوف ، فكانت النصرة للمسلمين ، فقتل من الفرنج عند غابة أرسوف ألوف بعد ألوف ، وقتل من المسلمين خلق كثير أيضا ، وقد كان الجيش فر عن السلطان في أول الوقعة ، ولم يبق معه سوى سبعة عشر مقاتلا ، وهو ثابت صابر ، والكؤسات لا تفتر ، والاعلام منشورة ، ثم تراجع الناس فكانت النصرة للمسلمين ، ثم تقدم السلطان بعساكره فنزل ظاهر عسقلان ، فأشار ذوو الرأي على السلطان بتخريب عسقلان خشية أن يتملكها الكفار ، ويجعلونها وسيلة إلى أخذ بيت المقدس ، أو يجري عندها من الحرب والقتال نظير ما كان عند عكا ، أو أشد ، فبات السلطان ليلته مفكرا في ذلك ، فلما أصبح وقد أوقع الله في قلبه أن خرابها هو المصلحة ،